المناوي
402
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
حتّى حبس بقلعة غرنا « 1 » مدّة سنين ، ثمّ أطلق ، فخرج إلى بلدة بسر ، فأقام بها طريقهم بالدّفّ والشّبّابة والرّقص على العادة . وقد نسبه أهل الظّاهر إلى عظائم ، ورموه بعدّة قبائح « 2 » . وحكوا عنه : أنّه قال لأصحابه : بايعوني على أن نموت يهودا ، ونحشر إلى النّار ، حتّى لا يصحبني أحد لعلّة . وسأله رجل : أيّ الطّرق أقرب إلى اللّه حتّى أسير فيه ؟ قال له : اترك السّير ، وقد وصلت . ومن كلامه : معنى الحريّة أن لا تملك شيئا ، ولا يملكك شيء دون اللّه . وقال وقد ذكر عنده تصرّف بعض الفقراء في الكون : الفقير لا يخلو أن يكون ممسكا أو مبذلا ، فإن كان ممسكا فليقدّر أنّ الكون ملكه ، وهو ممسك له ، وإن كان مبذلا يقدّر أنّه ملكه وخرج عنه . وقال : لي خاطر ما كذب قطّ ، وما عملت قطّ على تصديقه . وقال : استولى عليّ سلطان الذّكر مرّة في بدايتي حتّى شغلني عن مصالحي ، وكان ذكري : اللّه اللّه ، فكنت أسمع جميع أعضائي تذكر معي ، وأقمت كذلك نحو شهرين لا أفتر ، فجفّ لساني ليلة ، ولم يبق لي حركة سوى إنّي أسمع ذكر أعضائي بسمعي ، فانشقّ الجدار ، وظهر منه نور على صورة الكوكب الدّريّ ، فدخل في فمي بعد أن أضاء منه البيت ، فوجدت له حلاوة وبردا في جميع أعضائي ، حتّى عمّ كلّ منبت شعري ، فأقمت مدّة لا أحتاج إلى مأكول ، ولولا أنّ خدّام البيمارستان بعد ما سجنت عندهم ألجئوني إلى الغذاء بالضّرب ما احتجت بقيّة عمري إليه . ولم يزل على حاله حتّى أدرج الحريريّ في قطن أكفانه ، وأصبح والتّراب
--> ( 1 ) كذا في الأصول ، وفي الوافي بالوفيات 3 / 9 ، وتاريخ ابن كثير قلعة عزتا . ولعلها قلعة عرنة ، مدينة جنوب دمشق ، على سفح جبل الشيخ . ( 2 ) أجمعت المصادر على هذا خلا كتابنا والنبهاني في جامع كراماته .